ثقافـة

ماذا تعرف عن الإيقاع وعلاقته بالفنون؟

الإيقاع هو نظام عالمي للوجود

إن معنى هذا أو وراء الإيقاع في كل فن وكل عمل فني يكمن في النموذج الأصلي لعلاقة الكائن الحي ببيئته، حيث يعتمد نجاح الإنسان على قدرته على تكييف سلوكه مع نظام الطبيعة، وبالتالي فإن مكاسبها وانتصاراتها -التي جاءت نتيجة هذه المقاومة وهذا الصراع- أصبحت مصدر كل شيء جمالي.

نلاحظ أنه في بعض الحالات، عندما يتمكن الشخص من المساهمة في تكوين عالمه من خلال تأثير الفنون التشكيلية والمعمارية -لإبداعه- ويجد نفسه أكثر دراية وتناغمًا مع بيئته، فإن هذا التوافق غالبًا ما يكون ضارًا لأي إبداع جمالي لاحق، حيث تصبح الأمور سلسة للغاية، بالإضافة إلى عدم وجود اختلال وتوتر كافيين لخلق الرغبة في اكتشاف جديد، أو لإيجاد فرصة لإيقاع جديد،

يصبح الفن في هذه المرحلة “أكاديميًا” حتى يتم استيعاب القديم وتمثيله، ويبدأ الصراع من جديد بين هذا التراث وما هو جديد فيه، يخلق الفنان أو بيئته توترًا يتطلب شكلًا جديدًا من أشكال التعبير.

وهذه من الأسئلة الفنية المهمة التي تواجه معظم الفنانين في الدول النامية، وهم يتنقلون في طريقهم من خلال القضايا الهامة للتعبير الفني في المجتمعات التقليدية التي قبلت تأثير الثقافات الصناعية الحديثة، من أجل الوصول إلى تعبير جديد، أو إيقاع جديد، هذا السؤال لا يقل أهمية عن السؤال الذي يحظى بالاهتمام والانتباه مثل موقع الفن في التعبير عن الأحداث سواء كانت حربًا أم سلامًا.

الإيقاع والنسبة والحركة

والإيقاع (…Rythm) مشتقة في اللغات الأوروبية من لفظ (Rhuthmos) اليوناني، وهو بدوره مشتق من الفعل (Rheein) بمعنى ينساب أو يتدفق، وفي اللغة العربية يرجح أن لفظ الإيقاع مشتق من (التوقيع) وهو نوع من المشية السريعة، إذ يقال (وقع الرجل) أي مشيه سريعًا.

والأهم فكرة الحركة بشكل عام كما تظهر في الأصول اللغوية العربية واليونانية: التدفق هو الحركة والمشي بدوره هو الحركة، وهذا دليل قاطع على الارتباط الوثيق بين الإيقاع والحركة.

وتحدث أفلاطون عن الإيقاع مشيرًا إلى أنه يعتمد بشكل أساسي على الحركة، قال: “يمكنك تمييز الإيقاع في هروب الطيور، ونبض الأوردة، وخطوات الرقص ومقاطع الكلام، في أوائل العصور الوسطى، تحدث القديس أوغسطين، واصفًا إياه بـ”فن الحركات البعيدة”، عزا العديد من علماء النفس الإيقاع إلى مصدر ديناميكي، ويشير عالم النفس الألماني (Wundt) إلى إيقاع المشي، ويشير (H. Riemenn) إلى نبضات القلب، ويشير  هذا الإيقاع (K) إلى قانون الحركة الطبيعية، حيث يربط مفكرو العصور المختلفة بين الإيقاع والحركة.

الإيقاع والفنون

وإذا كان الإيقاع في الموسيقى ينظم حركة تحدث في الوقت المناسب، فإن الإيقاع في التصوير الفوتوغرافي يأخذ طابعًا ثابتًا، مجمدًا، متجمدًا في الوقت المناسب، لأنه فن من الفضاء، حركة صامتة في الرسم يُمثل فيها الإيقاع أيضًا، يتغلغل في الحركة، ولذلك يجب أن يشمل التناسب.

وإذا أردنا أن يكون حكمنا على أي عمل فني في الفنون البصرية فعالًا ودقيقًا، فإن أهم شيء هو تحديد نغمات الإيقاع المختلفة، والتي قد تكون ناجمة عن النبض فقط، ولكن الإيقاع دائمًا ضمن القانون، مثل هذا هو الحال مع الموسيقى وأنواع كثيرة من الشعر.

والإيقاع في الفن التشكيلي هو توازن بين الفراغات التي تتحقق بالحركات والتوقفات، كما يتضمن عدة انتقالات تؤدي إلى الحركة، حتى لو بدا كل شيء ثابتًا، والإيقاع يعني الحركة التي تم إنشاؤها بواسطة المسافات والتماثلات التي تتوافق إما مع التحولات أو التوقفات.

وهذا هو السبب في أن التناسب هو مجرد شكل مختلف من أشكال الإيقاع، طالما أنه يتضمن أيضًا تطابقًا مع التوافقيات، لكن هناك فرق جوهري بين التناسب والإيقاع، التناسب موجود كآلة للعلاقات المجردة، في حين أن الإيقاع يجب أن يُنظر إليه على أنه يعني الحيوية في جميع الأشكال المحددة، سواء كانت نحتًا أم تصويرًا، قد يكون التمثال جيدًا لأن أجزاءه متوازنة، لكنه يفتقر إلى الإيقاع لأنه يبدو جامدًا وبلا حياة.

وعلى العكس من ذلك، قد يتميز التمثال بإيقاع بارز، لكنه يفتقر إلى التناسب، لأن كل شيء حوله قد تشوه أو بسبب تكرار النغمات الإيقاعية فيه.

جلال مشروك

جلال مشروك ----------------------------- أمين عام جمعية فنية و ثقافية كاتب صحفي ------------------------------ مراسل وطنية نيوز ولاية العاصمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق